ابن أبي الحديد

110

شرح نهج البلاغة

عليهم السلام ، ولو لم يدل على ذلك ألا قوله تعالى في هذه القصة : ( إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ) ( 1 ) لكفى . وقد احتج أصحابنا أيضا بقوله تعالى : ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ) ( 2 ) ، وهذا كما تقول : لا يستنكف الوزير أن يعظمني ويرفع من منزلتي ، ولا الملك أيضا . فإن هذا يقتضى كون الملك أرفع منزلة من الوزير . وكذلك قوله : ( ولا الملائكة المقربون ) ، يقتضى كونهم أرفع منزلة من عيسى . ومما احتجوا به قولهم : إنه تعالى لما ذكر جبريل ومحمدا عليهما السلام ، في معرض المدح ، مدح جبريل عليه السلام بأعظم مما مدح به محمدا عليه السلام ، فقال : ( إنه لقول رسول كريم . ذي قوة عند ذي العرش مكين . مطاع ثم أمين . وما صاحبكم بمجنون . ولقد رآه بالأفق المبين . وما هو على الغيب بضنين ) ( 3 ) . فالمديح الأول لجبريل ، والثاني لمحمد عليهما السلام ، ولا يخفى تفاوت ما بين المدحين . فإن قيل : فهل كان إبليس من الملائكة أم من نوع آخر ؟ قيل : قد اختلف في ذلك فمن قال : إنه من الملائكة احتج بالاستثناء في قوله : ( فسجد الملائكة ) كلهم أجمعون . إلا إبليس ( ( 4 ) ، وقال : إن الاستثناء من غير الجنس خلاف الأصل . ومن قال : إنه لم يكن منهم احتج بقوله تعالى : ( إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) ( 4 ) . وأجاب الأولون عن هذا فقالوا : إن الملائكة يطلق عليهم لفظ الجن لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين . وقالوا : قد ورد ذلك في القرآن أيضا في قوله تعالى : ( وجعلوا بينه

--> ( 1 ) سورة الأعراف 20 . ( 2 ) سورة النساء 172 ( 3 ) سورة التكوير 19 - 24 . ( 4 ) سورة الحجر 29 ، 30